الشيخ حسن المصطفوي

152

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وفي قوله - تجرى بأمره : إشارة إلى خضوعها تحت أمره ، مع شدّة وسرعة فيها . * ( كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِه ِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) * - 14 / 18 اليوم قطعة من الزمان معيّنة محدودة نهارا أو ليلا أو منضمّة أو ممتدّة ، والزمان يتعيّن ويتشخّص بخصوصيّات خارجيّة ، كالحركة الوضعيّة في الأرض توجب تشخّص الليل والنهار . وكالحركة الانتقاليّة فيها توجب تشخّص السّنة مع خصوصيّات خارجيّة من تأثير الشمس والقمر والكواكب ، والهواء والحرارة والبرودة واللطافة والكثافة والجريان في الهواء ، وسائر ما يقع فيها من الحوادث السماويّة والأرضيّة وغيرها . فليس للزمان وجود مستقلّ قائم بنفسه غير هذا الاعتبار الاضافىّ ، فاليوم قطعة محدودة من الزمان ، وتشخّصه وتحقّقه بهذه الأمور الخارجية من نور وظلمة وحرارة وبرودة ولطافة وكثافة وحدّة ولينة وسائر الوقائع الملائمة أو المنافرة فيها ، ونسبة كلّ منها إلى آخر . فتوصيف اليوم بالعاصف : باعتبار تلك الحوادث والوقائع والحركات الأفلاكيّة ، وهذا أمر حقيقىّ صحيح لا تجوّز فيه ، والتأويل بريح عاصف : تجوّز ، مضافا إلى أنّ في التعبير إشارة لطيفة إلى أنّ الريح تجرى في محيط قد أحاطته هذه الحوادث الصعبة الشديدة السريعة ، وهذا كقوله تعالى : * ( ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ) * . وفي هذا المثل إشارة إلى أنّ أعمالهم كالرماد الباقي من الموادّ المحترقة تذروه الرياح وليس له أثر نافع ، ولا يعبأ به ، وأعمالهم كذلك لفقدان الشرائط الظاهريّة والباطنيّة والتوجّه والإخلاص فيها - أعمالهم كرماد . وحالاتهم وجريان أمورهم ظاهرا وباطنا كاليوم العاصف الَّذى لا استقرار فيه ولا طمأنينة ولا اعتدال من أىّ جهة - والَّذين كفروا . ثمّ كفرهم وسترهم الحقائق الروحانيّة كالريح الَّذى يشتدّ عليها ويذروها منبثّة لا يبقى من أعمالهم أثر .